الجصاص
26
أحكام القرآن
الحنث بأكل الجزء منه ، بمنزلة قوله : " والله لا آكل شيئا منه " لأن ما حرمه الله تعالى من الأشياء فتحريمه شامل لقليله وكثيره ، وكذلك المحرم له على نفسه عاقد لليمين على كل جزء منه أن لا يأكل . قوله عز وجل : " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) قال مجاهد وقتادة : " لم يوضع قبله بيت على الأرض " . وروي عن علي والحسن أنهما قالا : " هو أول بيت وضع للعبادة " . وقد اختلف في بكة ، فقال الزهري : " بكة المسجد ومكة الحرم كله " ، وقال مجاهد : " بكة هي مكة " . ومن قال هذا القول يقول : قد تبدل الباء من الميم ، كقوله سبد رأسه وسمده إذا حلقه . وقال أبو عبيدة : " بكة هي بطن مكة " . وقيل إن البك الزحم ، من قولك : بكه يبكه بكا إذا زاحمه ، وتباك الناس بالموضع إذا ازدحموا ، فيجوز أن يسمى بها البيت لازدحام الناس فيه للتبرك بالصلاة ، ويجوز أن يسمى به ما حول البيت من المسجد لازدحام الناس فيه للطواف . قوله تعالى : ( وهدى للعالمين ) يعني بيانا ودلالة على الله لما أظهر فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره ، وهو أمن الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي في الحرم ، فلا الكلب يهيج الظبي ولا الظبي يتوحش منه ، وفي ذلك دلالة على توحيد الله وقدرته . وهذا يدل على أن المراد بالبيت ههنا البيت وما حوله من الحرم ، لأن ذلك موجود في جميع الحرم . وقوله : ( مباركا ) يعني أنه ثابت الخير والبركة ، لأن البركة هي ثبوت الخير ونموه وتزيده ، والبرك هو الثبوت ، يقال : برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله . وفي هذه الآية ترغيب في الحج إلى البيت الحرام بما أخبر عنه من المصلحة فيه والبركة ونمو الخير وزيادته مع اللطف في الهداية إلى التوحيد والديانة . قوله تعالى : ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) قال أبو بكر : الآية في مقام إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى ، ليكون ذلك دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة إبراهيم عليه السلام . ومن الآيات فيه ما ذكرنا من أمن لوحش وأنسه فيه مع السباع الضارية المتعادية ، وأمن الخائف في الجاهلية فيه ويتخطف الناس من حولهم ، وإمحاق الجمار على كثرة الرامي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا مع أن حصى الجمار إنما تنقل إلى موضع الرمي من غيره ، وامتناع الطير من العلو عليه وإنما يطير حوله لا فوقه ، واستشفاء المريض منها به ، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته وقد كانت العادة بذلك جارية ، ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا لإخرابه بالطير الأبابيل . فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها ، وفي جميع ذلك دليل على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله ، لأن هذه الآيات موجودة في الحرم ، ومقام إبراهيم ليس في البيت إنما هو خارج البيت ، والله أعلم .